وهبة الزحيلي
90
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
فأمهلوه وانتظروه إلى وقت اليسر والرّخاء ، حتى يتمكّن من أداء الدّين ، كقوله صلّى اللّه عليه وسلّم فيما رواه مسلم وغيره عن أبي هريرة : « من نفّس عن مؤمن كربة ، نفّس اللّه عنه كربة من كرب يوم القيامة ، ومن يسّر على معسر يسّر اللّه عليه في الدّنيا والآخرة » ، والعسرة : ضيق الحال من جهة عدم المال ، والنّظرة : التّأخير ، والميسرة : مصدر بمعنى اليّسر . وأن تتصدّقوا على المعسر أو الغريم بإبرائه من الدّين كله أو بعضه ، فهو خير لكم من الإنظار والتّأجيل ، وأكثر ثوابا عند اللّه ، إن كنتم تعلمون أنه خير ، ومن علم بشيء عمل به . وفي هذا حثّ على السماحة للمدين المعسر ، لما فيه من تعاون وتعاضد وتراحم ، كقوله صلّى اللّه عليه وسلّم فيما رواه الشيخان والترمذي والنسائي عن أبي موسى : « المؤمن للمؤمن كالبنيان يشدّ بعضه بعضا » ، وقوله أيضا - فيما رواه الطّحاوي عن بريدة بن الخصيب - : « من أنظر معسرا كان له بكل يوم صدقة ، ثم قلت : بكل يوم مثله صدقة ؛ قال : بكل يوم صدقة ما لم يحلّ الدّين ، فإذا أنظره بعد الحلّ ، فله بكل يوم مثله صدقة » . و روى الإمام أحمد عن ابن عمر قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « من أراد أن تستجاب دعوته ، وأن تكشف كربته ، فليفرّج عن معسر » . و روى مسلم عن أبي مسعود قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « حوسب رجل ممن كان قبلكم ، فلم يوجد له من الخير شيء ، إلّا أنه كان يخالط الناس ، وكان موسرا ، فكان يأمر غلمانه أن يتجاوزوا عن المعسر ، قال : قال اللّه عزّ وجلّ : نحن أحقّ بذلك منه ، تجاوزوا عنه » . و في حديث طويل لأبي اليسر ( كعب بن عمرو ) أنه سمع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول فيما رواه أحمد ومسلم : « من أنظر معسرا أو وضع عنه ، أظله اللّه في ظلّه » ، وإنظار المعسر : تأخيره إلى أن يوسر ، والوضع عنه : إسقاط الدّين عن ذمّته . ثم أمر اللّه تعالى بالتّقوى أمرا عامّا ونبّه خلقه على محاسبتهم يوم القيامة ،